عثمان بن جني ( ابن جني )
31
الخصائص
إلى لفظ أخيه البتة ، فتدغمه فيه لا محالة . فهذا وجه التقريب مع إيثارهم الإبعاد . ومن تدافع الظاهر ما نعلمه من إيثارهم الياء على الواو . وذلك لويت ليّا ، وطويت طيّا ، وسيّد ، وهيّن ( وطىّ ) وأغريت " 1 " ودانيت واستقصيت ، ثم إنهم مع ذلك قالوا : الفتوى ، والتقوى والثنوى ، فأبدلوا الياء واوا عن غير قوّة علّة أكثر من الاستحسان والملاينة . والجواب عن هذا أيضا أنهم - مع ما أرادوه من الفرق بين الاسم والصفة على ما قدمناه - أنهم أرادوا أن يعوّضوا الواو من كثرة دخول الياء عليها . ومثله في التعويض لا الفرق قولهم : تقىّ ، وتقواء ، ومضى على مضوائه " 2 " ، وهذا أمر ممضوّ عليه . ونحوه في الإغراب قولهم : عوى الكلب عوّة ، وقياسه عيّة . وقالوا في العلم للفرق بينه وبين الجنس : حيوة ، وأصله حيّة ، فأبدلوا الياء واوا . وهذا - مع إيثارهم خصّ العلم بما ليس للجنس - إنما هو لما قدّمنا ذكره : من تعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها . فلا ترينّ من ذلك شيئا ساذجا عاريا من غرض وصنعة . ومن ذلك استثقالهم المثلين ، حتى قلبوا أحدهما في نحو أمليت - وأصلها أمللت - وفيما حكاه أحمد بن يحيى - أخبرنا به أبو علىّ عنه - من قولهم : لا وربيك لا أفعل ، يريدون : لا وربّك لا أفعل . نعم ، وقالوا في أشدّ من ذا : ينشب في المسعل واللهاء * أنشب من مآشر حداء " 3 "
--> ( 1 ) أصل المادة الغراء وهو يفيد اللصوق ، فإذا قيل : أغرى بينهم العداوة أي ألصقها بهم . ( 2 ) المضواء : التقدّم . ( 3 ) الرجز لأبى مقدام الراجز في سمط اللآلي ص 874 ، وشرح الأشمونى 3 / 659 ، والمخصّص 1 / 157 ، 11 / 131 ، 15 / 152 ، وله أو لأعرابى في البادية في الدرر 6 / 222 ، والمقاصد النحوية 4 / 507 ، وبلا نسبة في الإنصاف 2 / 746 ، وشرح ابن عقيل ص 628 ، ولسان العرب ( حدد ) ، ( شيش ) ، ( لها ) ، وهمع الهوامع 2 / 157 ، وتهذيب اللغة 6 / 430 ، وديوان الأدب 3 / 381 ، وتاج العروس ( شيش ) ، ( لها ) .